ابن قيم الجوزية

384

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

إن كان رفضا حبّ آل محمد * فليشهد الثقلان : أني رافضي ورضي اللّه عن شيخنا أبي العباس بن تيمية ، حيث يقول : إن كان نصبا حب صحب محمد * فليشهد الثقلان : أني ناصبي وعفا اللّه عن الثالث « 1 » ، حيث يقول : فإن كان تجسيما ثبوت صفاته * وتنزيهها عن كل تأويل مفتري فإني - بحمد اللّه ربي - مجسّم * هلموا شهودا واملأوا كل محضر قال : « الدرجة الثالثة : صيانة الانبساط : أن تشوبه جرأة . وصيانة السرور : أن يداخله أمن وصيانة الشهود : أن يعارضه سبب » . لما كانت هذه الدرجة عنده مختصة بأهل المشاهدة - والغالب عليهم الانبساط والسرور . فإن صاحبها متعلق باسمه « الباسط » - حذّره من شائبة الجرأة . وهي ما يخرجه عن أدب العبودية ، ويدخله في الشطح . كشطح من قال « سبحاني » « 2 » ونحو ذلك من الشطحات المعروفة المخرجة عن أدب العبودية التي نهاية صاحبها : أن يعذر بزوال عقله ، وغلبة سكر الحال عليه . فلا بد من مقارنة التعظيم والإجلال ، لبسط المشاهدة . وإلا وقع في الجرأة ولا بد . فالمراقبة تصونه عن ذلك . قوله : « وصيانة السرور : أن يداخله أمن » . يعني أن صاحب الانبساط والمشاهدة يداخله سرور لا يشبهه سرور البتة . فينبغي له أن لا يأمن في هذا الحال المكر ، بل يصون سروره وفرحه عن خطفات المكر بخوف العاقبة ، المطوي عنه علم غيبها . ولا يغتر . وأما « صيانة الشهود : أن يعارضه سبب » فيريد أن صاحب الشهود : قد يكون ضعيفا في شهود حقيقة التوحيد . فيتوهم أنه قد حصل له ما حصل بسبب الاجتهاد التام ، والعبادة الخالصة . فينسب حصول ما حصل له من الشهود إلى سبب منه . وذلك نقص في توحيده ومعرفته . لأن الشهود لا يكون إلا موهبة ، ليس هو كسبيا . ولو كان كسبيا فشهود سببه نقص في التوحيد ، وغيبة عن شهود الحقيقة . ويحتمل أن يريد بالسبب المعارض للشهود : ورود خاطر على الشاهد ، يكدر عليه صفو شهوده . فيصونه عن ورود سبب يعارضه : إما معارض إرادة ، أو معارض شبهة . وقد يعم كلامه الأمرين . واللّه سبحانه أعلم . منزلة الإخلاص ومن منازل « إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ » منزلة « الإخلاص » . قال اللّه تعالى : وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ البيّنة : 5 ] وقال : إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ

--> ( 1 ) هو شيخ الإسلام ابن القيم رحمه اللّه ورضي عنه . ( 2 ) هو أبو يزيد البسطامي ، ولست أدري بما يعذر من يقول ذلك وأمثاله بمناسبة وغير مناسبة .